ابن عطاء الله السكندري

105

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

يكون من المرحين ، فما مرح إلا وهو محروم من نور العقل مفتون بمادة الجسم ، فذكر بضعف هذه الجسم وصغارته . العجب أصل الهلاك : الإنسان بأخلاقه : إذا أعجب المرء بنفسه عمى عن نقائصها ، فلا يسعى في إزالتها ، ولهى عن الفضائل فلا يسعى في اكتسابها ؛ فعاش ولا أخلاق له ، مصدرا لكل شر ، بعيدا عن كل خير . وعن العجب بالنفس ينشأ الكبر على الناس ، والاحتقار لهم ، ومن احتقر الناس لم ير لهم حقا ، ولم يعتقد لهم حرمة ، ولم يراقب فيهم إلا ولا ذمة ، وكان عليهم - مثل ما كان على نفسه - أظلم الظالمين . هلاك إبليس لعجبه : وإبليس اللعين - نعوذ باللّه تعالى منه - كان أصل هلاكه ، من عجبه بنفسه ، وأنه خلق من النار ، وأنه خير من آدم ، فتكبر عليه ، فكان من الظالمين الهالكين . ترك العجب شرط في حسن وكمال الأخلاق : تربية النفوس تكون بالتخلية عن الرذائل ، والتحلية بالفضائل . والعجب هو أساس الرذائل ، فأول الترك تركه ، وهو المانع من اكتساب الفضائل ، فشرط وجودها تركه كذلك . ومن لم يكن معجبا بنفسه ، كان بمدرجه التخلق بمحاسن الأخلاق ، والتنزه عن نقائصها ، لأن الإنسان مجبول على محبة الكمال وكراهة النقص ، فإذا سلم من العجب فإن تلك الجبلة تدعوه إلى ذلك التخلق والتنزه ، فإذا نبه على نقصه لم تأخذه العزة ، وإذا رغب في الكمال كانت له إليه هزة ، فلا يزال بين التذكيرات الإلهية ، والجبلة الإنسانية الخلقية ، يتهذب ، ويتشذب ، حتى يبلغ ما قد له من كمال . ولهذا المعاني التي تتصل بتفسير هذه الآية الكريمة - وهي أصول في علم الأخلاق - عنونا عليها بآية الأخلاق . 16 - تأكيد الأوامر والنواهي إيجازا كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) [ الإسراء : 38 ] . المناسبة : إن الغاية التي يسعى إليها كل عاقل هي السعادة الحقة ، وأن التكاليف الإسلامية كلها شرعت لسوقه إليها ، ولما كانت أصولها قد تضمنتها الآيات السابقة أمرا ونهيا بطريق الإطناب والتفصيل ؛ أعيد الحديث عنها في هذه الآية بطريق الإيجاز والإجمال ، قصدا